السيد محمد الصدر
122
ما وراء الفقه
الدليل الثاني : على مرجوحية القصة . إن كثيرا من حوادث التاريخ ليس لها إسناد ذات حجية واعتبار شرعا وفقهيا . بل هي منقولات متفرقة على ألسن مختلفة . كما أنها مظنونة وغير مؤكدة . ولئن كان المؤكد منها قليلا أو إجماليا ، فإن المظنون منها كثير وفي عدد لا يستهان به من التفاصيل . كما أن المؤرخين أنفسهم ، أو أن عددا منهم - على الأقل - مشكوكو الوثاقة وغير معروفين بالصدق والأمانة . يكفينا من ذلك أنهم يتحدثون عن التاريخ كله كأنهم رأوه وسمعوه ، في حين من اليقين أن المؤرخ لم ير ولم يسمع إلَّا الجيل الذي عاشه وأما السابقون عليه ، فإنما ورد إليه الخبر كما وردنا . ومع ذلك نراه يرسل صحة ذلك إرسال المسلَّمات . بل إن المؤرخ في جيله نفسه لم ير كل مكان وكل زمان ، خلال حياته التي عاشها . فكيف يستطيع أن يخبر بالحس والوجدان عن كل ما وقع في تلك الفترة ؟ وهل هو ثقة في كل ما ينقل ؟ ومن المعلوم فقهيا أن بيان القصصي ، أو أي واحد يقص قصة من التاريخ ، لا يكون جائزا شرعا إلَّا إذا كان بطريق معتبر وحجة شرعا . وأما إذا لم يكن كذلك ، كما هو الحال في أكثر موارد التاريخ لم تكن القصة عنه جائزة بأي حال ، لأنها إما أن تكون معلومة الكذب وإما أن تكون إعرابا عن أمر لم نقم عليه حجة كاملة ، وإما أن تكون من قبيل عرض ما هو مظنون على شكل ما هو معلوم . بحيث تكون حالة المتكلم وطريقته دالة على كونه عالما بخبره الذي يقوله ، في حين أنه ليس بعالم . وإذا كان التاريخ الذي تمّ وقوعه ، إنما هو على هذا الغرر فكيف بالقصص الخيالية ، التي تكون كاذبة كلها جملة وتفصيلا ، فإنها بطبيعة الحال ، مما لم تضم حجة شرعية صحيحة على صدقها . وجواب ذلك أن غاية ما يرجع إليه بيان ما لم تقم عليه حجة شرعية ،